الجصاص
307
أحكام القرآن
باب القتل العمد هل فيه كفارة قال الله تعالى : ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ) فنص على إيجاب الكفارة في قتل الخطأ ، وذكر قتل العمد في قوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) [ البقرة : 178 ] ، وقال : ( النفس بالنفس ) [ المائدة : 45 ] ، وخصه بالعمد ، فلما كان كل واحد من القتيلين مذكورا بعينه ومنصوصا على حكمه لم يجز لنا أن نتعدى ما نص الله تعالى علينا فيهما ، إذ غير جائز قياس المنصوصات بعضها على بعض ، وهذا قول أصحابنا جميعا . وقال الشافعي : " على قاتل العمد الكفارة " ، ومع ذلك ففي إثبات الكفارة في العمد زيادة في حكم النص ، وغير جائز الزيادة في النص إلا بمثل ما يجوز به النسخ ، وأيضا فغير جائر إثبات الكفارات قياسا وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق . وأيضا لما نص الله على حكم كل واحد من القتيلين وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو رد " فموجب الكفارة على العامد مدخل في أمره ما ليس منه . فإن قيل : لما وجبت الكفارة في الخطأ فهي في العمد أوجب ، لأنه أغلظ . قيل له : ليست هذه الكفارة مستحقة بالمأثم فيعتبر عظم المأثم فيها ، لأن المخطئ غير آثم ، فاعتبار المأثم فيه ساقط ، وأيضا قد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم سجود السهو على الساهي ، ولا يجب على العامد وإن كان العمد أغلظ . فإن احتجوا بحديث ضمرة عن إبراهيم بن أبي عبلة عن العريف بن الديلي عن واثلة بن الأسقع قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب - يعني النار - بالقتل ، فقال : " أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار " . قيل له : رواه ابن المبارك وهانئ بن عبد الرحمن ابن أخي إبراهيم بن أبي عبلة هذا الحديث عن أبي عبلة ، فلم يذكر أنه أوجب بالقتل ، وهؤلاء أثبت من ضمرة بن ربيعة . ومع ذلك لو ثبت الحديث على ما رواه ضمرة لم يدل على قول المخالف من وجوه ، أحدها : أنه تأويل من الراوي في قوله : " أوجب النار بالقتل " لأنه قال : يعني بالقتل . والثاني : أنه لو أراد رقبة القتل لذكر رقبة مؤمنة ، فلما لم يشرط لهم الإيمان فيها دل على أنها ليست من كفارة القتل ، وأيضا فإنما أمرهم بأن يعتقوا عنه ، ولا خلاف أنه ليس عليهم عتقها عنه ، وأيضا فإن عتق الغير عن القاتل لا يجزيه عن الكفارة . قوله تعالى : ( فتحرير رقبة مؤمنة ) جعل الله من صفة رقبة القتل الإيمان ، ولا خلاف أنها لا تجزي إلا بهذه الصفة ، وهذا يدل على أن عتق الرقبة المؤمنة أفضل من الكافرة ، لأن هذه الصفة قد صارت شرطا في الفرض ، وكذلك من نذر أن يعتق رقبة